سوسة الإنجاز

سوسة الإنجاز

تفاصيل الخبر

 

بينما يتوق الجميع لقضاء عطلة العيد، و أخذ راحة من العمل أو الدراسة، يتسرب إلى نفسك شعور القلق، و بالرغم من حاجتك الجسدية و النفسية لأخذ قسط من الراحة، إلا أن السيناريو الأكثر راحة بالنسبة لك هو الاستمرار في العمل. و قد تجد نفسك أيضا تتهرب من أخذ إجازات من العمل، أو ترفق بعض الملفات و الأعمال معك إلى المنزل، ﻹنهائها في الوقت الذي يفترض فيه أن ترتاح فيه من العمل. و في شكل آخر للتوتر المصاحب للإجازات، قد تصيبك محاولة الحصول على أفضل إجازة و الترتيب لها، بالكثير من التوتر و القلق. 

و في كلا الحالتين، سواء التوتر من الإجازة و أوقات الفراغ حرصا على الإنجاز ، أو حرصا على قضائها بأفضل صورة، يعتبر هذا القلق شائعا جدا و يواجهه الكثيرون.  دراسة أمريكية تشير إلى أن ١٤% فقط من الموظفين يأخذون إجازة ﻷسبوعين على التوالي, و نسبة كبيرة منهم لا تأخذ الإجازات المسموحة سنويا و يفضلون الاستمرار في العمل على الدوام. مالذي يحمل الناس على هذا الإجهاد؟ و أي شيء يلاحقهم حتى يسبب التوتر البالغ في أوقات الفراغ؟ 

الحقيقة أن نظرتنا لمفهوم أوقات الفراغ يحدد شعورنا تجاهه، و مفهوم وقت الفراغ اختلف كثيرا عبر الأزمنة. فقبل ٢٠٠٠ سنة من الآن، كان لوقت الفراغ رمزية الحرية، كما كان أيام الغريق و اليونان مساحة لممارسة الهوايات، و وقتا يحفظ للذهن نشاطه. حيث كانت الأعمال الشاقة لطبقة الفقراء و العبيد بينما يتمتع الميسورون بأوقات فراغ يحسنون استغلالها بالفلسفة، و ممارسة الهوايات. 

إلا أنه و بعد الثورة الصناعية، لم تعد النظرة ﻷوقات الفراغ بهذه الإيجابية بالمرة. حيث أصبح مفهوما معاكسا للعمل. الذي أخذ بدوره القيمة الأكبر مذ حينها. العمل، و الإنجاز، و الوظيفة و ساعات العمل.. إن قيمة العمل التي رسختها تلك الحقبة حطت من قيمة أوقات الفراغ و الراحة بالمقابل. إلى الحد الذي نعتبر فيه وقت الفراغ وقتا ضائعا، يكفر عن حصوله بمزيد من العمل. بل إن قلة أوقات الفراغ لدى الشخص و شدة الانشغال أصبح دلالة على القوة و التكمن. ربما يحضرك الآن نموذجًا أو اثنين من محيطك ﻷشخاص لا يكادون يجدون وقتا لحياتهم الشخصية، و لعلك استحضرت أيضا كيف تجدهم أناسا ناجحين.. أليس ذلك صحيحا؟ 

على أرض الواقع، تضع التنافسية العالية أوزارها على كواهل الأفراد، حيث يستميت من ابتغى لنفسه مكانا في سوق العمل لاستغلال أوقاته ما استطاع لذلك سبيلا، و إلا، بأي شيء يملأ الفرد سيرته الذاتية؟! 

إن الخروج عن أثر تلك الأنظمة و المفاهيم ليس بالأمر السهل،  بل من المنطق أن يشق الإنسان لنفسه طريقا بين الناس، و أن يثبت كفاءته و جدارته. إلا أن الأمر حين يأخذ منحً مؤذيا، فيترتب عليه تشويش وتعطيل للحياة الشخصية بجانب التوتر و القلق، فيتعين إعادة النظر في الأمر. 

 

كيف تعرف أنك مصاب بسوسة الإنجاز ؟ 

حين ينعدم الحد الفاصل بين عملك و حياتك الشخصية، أو يكاد ينعدم. حين يتعذر عليك إيجاد أوقات لأنشطة أساسية، كالأكل و النوم و الاستحمام، فتخطف أوقاتها خطفا من يومك! حين ينتابك التوتر و القلق كلما كنت في إجازة أو جلست ذات حين بلا عمل ( كأوقات الانتظار، و الزيارات الاجتماعية ، و أوقات التنقل في المواصلات .. إلخ)، أو حين يفسد استمتاعك بإجازاتك لفرط مثاليتك في التخطيط لها و استغلالها. كل تلك إشارات إلى أن مفاهيما معينة بحاجة إلى إعادة صياغة عزيزي المنجز. 

 

مالسبيل للتوازن؟ 

  • علينا أن نستوعب أهمية أوقات الفراغ و الراحة و الأنشطة التي نقوم بها في أوقات الفراغ، و التي لها بالغ الأثر الطيب على الصحة النفسية، و الجسدية، و على الحالة الذهنية 
  • إن التفكير بالأثر الإيجابي على المدى الطويل يجعل التمتع بأوقات الفراغ يبدو كاستثمار حقيقي ، و كذلك التفكير بالأثر السلبي على المدى البعيد من تفويت اللحظة 
  • إعطاء هدف منطقي من الإجازة أو من وقت الفراغ حيلة ذهنية جيدة لإقناع النفس بجدوى الوقت 
  • محاولة عيش اللحظة و الاستمتاع بتفاصيلها بدلا من التفكير بجدواها 
  • ممارسة التأمل ذات أثر إيجابي كبير، حيث تدرب الذهن على التركيز فيما براد التركيز فيه، بدلا من التشتت بالتفكير في الالتزامات في وقت يفترض فيه الراحة منها 

 

ختاما، لا أجمل من الإنجاز! و لا من استغلال الأوقات و الأعمار و الصحة فيما يعود بالنفع علينا، و يخدم القيم التي نؤمن بها.. إلا إن الإفراط في العمل يأخذنا إلى إهدار أعمارنا دونما حياة فيها! إن الإنجاز مطلوب دائما، لكن الإنجاز لم يكن يوما محصورا في الأداء المهني و الأكاديمي فحسب! إن أوقاتا طيبة تقضى مع الأحبة لهي عز الإنجاز! فلنتوازن يا صديق.. بورك لك في وقتك و همتك و عمرك. 

 

ملاحظة: إن تعبير "سوسة الإنجاز " ليس له أصل أو مرجع، إنما تعبير أطلقته استئناسا و ظرفا لا أكثر